الجصاص

392

أحكام القرآن

وفرقة الإيلاء عند مخالفنا ، وكذلك سائر الفرق المتعلقة بحكم الحاكم في الأصول هذه سبيلها . فإن قيل : سائر الفرق التي ذكرت لا يمنع التزويج في الحال وإن تعلقت بحكم الحاكم ، وهذه الفرقة تحظر تزويجها في الحال عند الجميع ، فكما جاز أن يفارق سائر الفرق المتعلقة بحكم الحاكم من هذا الوجه جاز أن يخالفها في إيجابها التحريم مؤبدا . قيل له : من الفرق المتعلقة بحكم الحاكم ما يمنع التزويج في الحال ولا توجب مع ذلك تحريما مؤبدا ، مثل فرقة العنين إذا لم تكن نفي من طلاقها إلا واحدة قد أوجبت تحريما حاظرا لعقد النكاح في الحال ، ولم توجب مع ذلك تحريما مؤبدا ، وكذلك الزوج الذمي إذا أبى الاسلام وقد أسلمت امرأته ففرق الحاكم بينهما منع ذلك من نكاحها بعد الفرقة ولا توجب تحريما مؤبدا ، فلم يجب من حيث حضرنا تزويجها بعد الفرقة أن توجب به تحريما مؤبدا . وأيضا لو كان اللعان يوجب تحريما مؤبدا لوجب أن يوجبه إذا تلاعنا عند غير الحاكم ، لأنا وجدنا سائر الأسباب الموجبة للتحريم المؤبد فإنها توجبه مفتقرة فيه إلى حاكم ، مثل عقد النكاح الموجب لتحريم الأم والوطء الموجب للتحريم والرضاع والنسب ، كل هذه الأسباب لما تعلق بها تحريم مؤبد لم تفتقر إلى كونها عند الحاكم ، فلما لم يتعلق تحريم اللعان إلا بحكم الحاكم وهو أن يتلاعنا بأمره بحضرته ثبت أنه لا يوجب تحريما مؤبدا . وأيضا لو أكذب نفسه قبل الفرقة بعد اللعان لجلد الحد ولم يفرق بينهما ، وأبو يوسف لا يخالفنا في ذلك لزوال حال التلاعن وبطلان حكمه بالحد الواقع به وجب مثله بعد الفرقة لزوال المعنى الذي من أجله وجبت الفرقة وهو حكم اللعان . فإن قيل : لو كان كذلك لوجب أنه إذا أكذب نفسه بعد الفرقة وجلد الحد أن يعود النكاح وتبطل الفرقة لزوال المعنى الموجب لها ، كما لا يفرق بينهما إذا أكذب نفسه بعد اللعان قبل الفرقة . قيل له : لا يجب ذلك ، لأنا إنما جعلنا زوال حكم اللعان علة لارتفاع التحريم الذي تعلق به لا لبقاء النكاح ولا لعود النكاح ، فعلى أي وجه بطل لم يعد إلا بعقد مستقبل ، إلا أن الفرقة قد تعلق بها تحريم غير البينونة ، وذلك التحريم إنما يرتفع بارتفاع حكم اللعان ، كما أن الطلاق الثلاث توجب البينونة وتوجب أيضا مع ذلك تحريما لا يزول إلا بزوج ثان يدخل بها ، فإذا دخل بها الزوج الثاني ارتفع التحريم الذي أوجبه الطلاق الثلاث ولم يعد نكاح الزوج الأول إلا بعد فراق الزوج الثاني وانقضاء العدة وإيقاع عقد مستقبل . ودليل آخر ، وهو أن التحريم الواقع بالفرقة لما كان متعلقا بحكم اللعان وجب أن يرتفع بزوال حكمه ، والدليل على ارتفاع حكم اللعان إذا أكذب نفسه